خالد تكريتي وجدَّته في غاليري أيام

لطالما كنت طفلها المدلل، ولطالما كانت جدتي المفضلة

تحت عنوان «أنا وجدتي» افتتح الفنان التشكيلي خالد تكريتي معرضه الفني مساء السبت 31 كانون الثاني في غاليري أيام، ويقدم فيه مجموعة من اللوحات التي رسمها خلال العام 2008، من بينها ثلاث لوحات أنهى لمساتِه الأخيرة عليها خلال العام الحالي 2009.

وفي دليل المعرض، كتب خالد تكريتي عن معرضه: «سكاكر .. وبالتحديد قطع من كراميل الماكينتوش لطالما كانت موجودة في الحقيبة الكبيرة الخاصة بجدتي، والمليئة بقطع النقود المعدنية من جميع الألوان والأحجام. ما كانت سعادتي آنذاك لتتحقق إلا بالحصول على البعض منها، ولأن جدتي اعتادت أن أريد من موجودات تلك الحقيبة المليئة بكنوز مغارة علي بابا». ويتابع «عندما أحاول إعادة رسمها بمخيلتي، فإن أول ما يتراءى لي هو سيدة جميلة تُصاحبها ابتسامة خجولة ذكية ودائمة، شعرها دائماً ذو تسريحة أنيقة وأحمر شفاه يحدد شفتيها. وهنا لا أنسى عقد اللؤلؤ الذي كان يتصدر عنقها منذ الصباح. لقد أحببت جدتي كثيراً .. وأحبتني أكثر».

خالد تكريتي وجدّتهيجسد الفنان تكريتي في لوحات معرضه علاقتَه الحميمة التي ربطته بجدته المتوفاة، التي كانت أقرب المقربين إليه، وبذلك ينطلق من فكرة بسيطة عاشها الجميع ليطرحها للمشاهد عن طريق الرسم واللون. كما يُبرز أهميةَ الحب في حياة الإنسان والطفل الذي يتغذى به ليصبح كائناً مليئاً بالمحبة. وفي ذلك يقول: «أذكر طفولة خاصة قضيتها ما بين منزلنا ومنزل جدتي الذي لم يكن يَلزمني للوصول إليه سوى بضع خطوات صغيرة. كنت أنتظر بفارغ الصبر عطلةَ نهاية الأسبوع للذهاب إلى منزلها والبقاء معها طيلة العطلة ومرافقتها في مشاويرها اليومية: زيارة بائع الأزهار لشراء أكثر من نوع ولون من الورود، ثم الذهاب إلى مكتبة أنطوان في شارع الحمرا (في بيروت) للإطلاع على آخر المجلات والصحف، وغالباً ما كانت تلك الرحلات تنتهي بمحل الألعاب الشهير في فترة السبعينات "دونالد دك" وذلك من أجل إكمال مجموعة الليغو الخاصة بي لإنهاء قَصري الخرافي.. لطالما كنت طفلها المدلل، ولطالما كانت جدتي المفضلة».

لقد قام الفنان بتنويع استخدامه للألوان من الحارّة إلى الأخَف منها تبعاً للموضوع الذي تحاكيه، لأن اللوحة بنظره تطرح لونها لوحدها وتحدِّد اللون الذي يجب استخدامه. وكعادته، تحتل الشخصية المركزية المساحة الأكبر في لوحاته، ضمن تقسيم غرافيكي متوازن، أحياناً بمساحتين متناقضتين.لوحة طائرة الورق لخالد تكريتي فمثلاً في لوحة الطفل وطائرة الورق، نجد الطفل يجلس على مقعده الخمري، وابتسامة الطفولة تملأ اللوحة، وشَعره يتلاعب به الهواء، وهو نفس الهواء الذي يحمل طائرته إلى مكان آخر وكأنها ستطير إلى خارج اللوحة، ويحيط بالطفل اللون الأبيض، والذي قد يكون القصد منه هو التأكيد على براءة الطفل، وعفويته والتصاقه بذلك العالم الدافىء، الذي كانت جدته توفره له. إلا أن طائرته هي خارج هذا الإطار الحميمي، فهي تحلق بالقسم الآخر من اللوحة برسومها وألوانها البدائية والطفولية، وكأن الفنان أراد أن يقول لنا أن هذا الطفل السعيد هو نفسه من أبدع صناعة هذه الطائرة، أم أنه يقول أن هذه الطائرة هي الجزء الحار من ذاكرته الطفولية والتي لم يعرف إلى أين ستأخذه بعد أن يخرج هو من هذا العالم الدافىء.

لقد اختار أن يقسِّم لوحته مع جدته بسيارته، بأسلوب آخر، فالعالم البريء الذي يحيط به أضحى مربعاً أبيضاً يلفه مع سيارته التي تكاد أن تخرج من كل حدود المساحات في اللوحة، كما نجد الجدة تجلس على كرسيها، وهي تتابع حركة الطفل بحنان يشوبه شيء من القلق، ويزيد هذا الشعور القبعة الواقية التي يرتديها رغم أن السيارة التي يقودها هي لعبة أطفال، هذه السيارة التي تندمج في مقدمتها بأجواء اللون الدافئ الذي يحيط بالجدة. إلا أن الطفل يشيح بنظره عن السيدة، وكأن فيه شيء من الضجر من تلك العناية الفائقة التي توليها الجدة لكل حركة من حركات الطفل.

لوحة الحصان لخالد تكريتيوهنا يظهر الحصان الخشبي كخلفية بعيدة، وخارج إطار اللوحة ضمن اللوحة، هذا الحصان الذي يشكل على ما يبدو جزءاً من ذاكرة الفنان الطفولية المليئة بالمشاهد الغنية، وبحياة كان يلفها الدفء والحنان. ولكن هل يقول الفنان من قصته هذه الذي يسردها أمامنا في معرضه اليوم، أنه بحالة حنين لتلك الأيام؟ أم أنه يدخل في سيكولوجية الطفل وعلاقته بطفولته، وبمحيطه، وبمفرداته القديمة؟ هل يصحِّح جانباً من طفولة عاشها كان يرغب في أن تستمر، وتكون مليئة بمفردات لم تحصل؟ أسئلة عديدة تبقى معلقة ليجيب عليها المتلقي حسبما يريد.

وفي تصريح لـ«اكتشف سورية»، يقول تكريتي: «أجسِّد في لوحاتي اليوم العلاقةَ الحميمة بين الطفل وجدَّته، وأعبِّرُ في بعضها عن صور وذكريات عِشتُها مع جدتي أو تمنيتُ لو أعيشها معها، وإن لم يكن ذلك فإن غيري من الأطفال عاشوها، ومنهم من يعيشها الآن وكل يوم».

وتقول الأستاذة شكران فاتح المدرس -زوجة الفنان الراحل فاتح المدرس: لـ«اكتشف سورية»: «إن الفنان خالد تكريتي صديقنا ونحن نعرفه منذ بدايات مسيرته الفنية بأعماله التي تتميز بالبناء خطوة خطوة. ومن يطَّلع على أعماله منذ البدايات يظهر له أنه فنان مجتهد، يجدِّد ويختزل العناصر لكي يبني عليها أكثر. أما اليوم، فهو يحاول أن يقدم شيئاً يشبه الحكاية مستخدماً الحالة العاطفية لكن بأسلوب غرافيكي قوي جداً. إنه فنان طموح وجدي في عمله».

.
وحول انطباعها عن المعرض، تصف نور دياب آغا المعرض بالبسيط، والمعَبِّر، والجميل بألوانه ولوحاته الملفتة للنظر التي حاول فيها الفنان التعبير عن ذكرياته، وعما يدور في مخيلته وداخله، وعن العلاقة الحميمة التي ربطته بجدته منذ الطفولة.

حسان هاشم

اكتشف سورية