المطربة فايزة أحمد صوت سوري مسكون بالحب

23 أيلول 2012

.

تردد أوساط الموسيقا في مصر منذ أمد مقولة مفادها أن الأصوات الأنثوية الدافئة والحنونة التي سطعت في بلاد النيل كان مصدرها دائما الشام وتأتي في طليعة هذه الأصوات المطربتان القديرتان نجاة الصغيرة وميادة الحناوي والمطربة الكبيرة الراحلة فايزة أحمد لكن ما جعل الأخيرة تقف في قمة المطربات السوريات والعرب من بنات جيلها ذلك الإحساس العالي بالشجن والسهولة في الأداء والقدرة الفريدة على الامتزاج باللحن وبالكلمة حتى يكاد يشعر المستمع أن هذه الأغنية قصة حقيقية ترويها له مطربة اسمها فايزة أحمد.
ولدت فايزة أحمد في أحد الأحياء الشعبية بمدينة دمشق في الخامس من كانون الأول من عام 1934 لأب حلبي وأم لبنانية وربما تكون لنشأتها والحياة التي عاشتها في طفولتها الباكرة دور في إكساب نفسيتها ذلك الطابع العاطفي العنيف والحساسية العالية إذ انفصل والداها وهي في سن الثامنة لتنتقل مع أمها إلى مدينة صيدا حيث تزوجت رجلاً لبنانياً وهو ما سيتسبب لاحقاً بحالة الالتباس في تحديد جنسية فايزة أحمد بين السورية واللبنانية.
انتبهت الأم لصوت ابنتها الجميل وكيف أن جيرانها ومعارفها يطربون له فاتفقت مع موسيقي لبناني لإعطائها بعض الدروس والذي تولى بدوره تعليمها مخارج الحروف وقواعد الموسيقا والغناء وخلال بضع سنين ظهرت فايزة أحمد كمطربة صغيرة السن ذات صوت مقتدر بوسعه أداء أعمال كبار المطربين.
تنقلت صاحبة ياما أنت واحشني للعمل بين إذاعات صوت لبنان وإذاعة حلب وهنالك توقفت عن أداء أغنيات الآخرين وأصبح لها أغنياتها الخاصة ويرجع الفضل في ذلك للملحن السوري الراحل محمد محسن الذي أعطاها 10 أغان منها درب الهوى وليش دخلك وما في حدا يا ليل وموشح يا ربي صلي على النبي المجتبى وشفتك يا سمارة وحواريتان مع المطرب اللبناني عزيز شيحا.
خلال فترة قصيرة تهافت الملحنون السوريون على التعاون معها فغنت الدنيا كانت بعيوني ظلام وسنعود لنجيب السراج ونشيد الفداء وحوارية قلبي ح يحكي عن شقاه مع رفيق شكري وما بيدلك وهاتي الدموع يا عين لرياض البندك وسواها كما تعاملت مع الملحن العراقي رضا علي في أربع أغان منها إش بيك يا قلبي.
طموح مغنية رسالة من امرأة للشاعر السوري نزار قباني وعشقها اللا متناهي للفن كان يدفعها دائماً إلى التفكير بتقديم الأفضل لتنتقل عام 1956 من دمشق إلى القاهرة بصحبة الأمير يحيى الشهابي الذي كان مديراً لإذاعة دمشق وكان عليها أن تشق طريقها لوحدها وزوادتها في ذلك صوتها الدافئ المعبر وأغانيها السورية لتواجه بهما الشعور بالإقليمية الذي يحس به أي فنان يغزو بلاد الكنانة وافتقارها إلى المعارف والواسطات.
وبعد انتقالها إلى مصر غابت أخبارها نهائياً عن وطنها الأم وسجلت مسيرتها المصرية نجاحاً ساحقاً ومنذ أغنية أنا قلبي إليك ميال للملحن محمد الموجي التي أطلقتها في أوساط الجمهور المصري والعربي انطلقت سريعاً نحو القمة واعتبرها النقاد المصريون أفضل صوت بعد أم كلثوم ودفع ذلك الملحنين للعمل معها بمن فيهم الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي أدهشه أداؤها لأغنية قالوا هان الود عليه الذي غناها هو نفسه عام 1960 لدرجة إعلانه أنه لن يغني أي أغنية إذا أدتها فايزة أحمد بصوتها أولاً.
وكانت أغنية ست الحبايب هي أحلى ثمرة لتعاون عبد الوهاب مع فايزة لتبقى رغم مرور 50 عاما على غنائها أفضل هدية في عيد الأم كما أراد موءلفها حسين السيد ولم يستطع أي من الذين غنوها فيما بعد أن يتفوقوا على أداء فنانتنا الكبيرة بمن فيهم عبد الوهاب نفسه.
وشهد العام 1963 نقلة كبيرة في حياة فايزة عندما تزوجت من الملحن المصري الناشئء حينها محمد سلطان بعد قصة حب تحدثت عنها المجلات الفنية وقصرت أغانيها على ألحانه وفضلته على سائر الملحنين لحبها له ولأنها رغبت أيضاً أن تبلغ معه شأواً عظيماً في عالم الفن والموسيقا وهذا ما كان وخلال مسيرتها الفنية شاركت المطربة السورية في ستة أفلام سينمائية لكن تجربتها السينمائية لم تكن أبداً على مستوى غنائها لأنها وهي المرأة الحساسة العفوية والانفعالية لم تكن لتستطيع مقارعة نجمات السينما.
انعكس نجاح حياتها الزوجية مع سلطان على توهجها الفني وثبتت أقدامها في مطربات الصف الأول في مصر والدول العربية وخلال فترة السبعينات سعت لأن تكون خليفة أم كلثوم في الغناء وأصبحت تركز أكثر على الأغنيات الطويلة مع الحفلات الجماهيرية على النسق الكلثومي لكن علاقتها مع سلطان لم يكتب لها الاستمرارية إذ بعد زواج استمر 17 عاماً أنجبت خلالها ولدين انفصلت فايزة عن زوجها واتجهت بعدها للتعامل مع ملحنين آخرين وكان لذلك نجاح هائل عندما نالت الأسطوانة الذهبية من لندن لنجاحها ببيع مليون نسخة من أسطوانة ضمت أغنيتي حبيبي يا متغرب ومش كتير على قلبين.
ومن سوء الحظ أن النجاح الفني الأخير لمغنية موشح أصلح الأوتار رافقه انتكاسة صحية خطيرة إذ أصيبت بورم خبيث في الثدي خضعت إثره لعمل جراحي ولجلسات علاج في القاهرة وبيروت لكن دون جدوى فسافرت إلى الولايات المتحدة بحثاً عن فرصة أفضل حيث أكد الأطباء انتشار الورم في جسمها وأنه أمامها بضعة أشهر حتى يجهز عليها رغم أنهم حرصوا على إخفاء هذه الحقيقة عنها.
ولدى عودتها إلى القاهرة تواصلت مع سلطان لإعادة المياه إلى مجاريها والذي بدوره كان يبادلها الحب وعادا إلى عرش الزوجية وهي تذوي شيئاً فشيئاً لكنها رغم ذلك أصرت على غناء لحن رياض السنباطي الأخير لا يا روح قلبي الذي كان آخر ما سجلته وهي جالسة على كرسي متحرك قبل رحيلها بنحو أسبوع.
مع صباح يوم الأربعاء الواقع في 21 أيلول من عام 1983 كان موعد رحيل فايزة أحمد وكان آخر ما تكلمت به وهي تجود بأنفاسها الأخيرة بين يدي محمد سلطان مطلع أغنيتها أيوه تاعبني هواك.
وإزاء أغانيها التي تربو على 320 أغنية لكبار الملحنين من أمثال محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي وزكريا أحمد ورياض السنباطي وفريد الأطرش وغيرها مما أثرى الذائقة العربية وجعلنا في ذكرى رحيلها التاسعة والعشرين نؤكد ما قال عنها الصحفي المصري أنيس منصور بأنها ماتت دون أن تعرف أنها أجمل صوت بعد أم كلثوم‏.‏


سانا

Share/Bookmark

اسمك

الدولة

التعليق